موسوعة ويكيبيديا المفتوحة... نقاط التفوق وجوانب القصور
تعد ويكيبيديا واحدة من أضخم الموسوعات وأكثرها إقبالا بين مستخدمي الانترنت وأسرعها نموا، كما يصنف الموقع بين طليعة مصادر المعرفة في العالم، وبينما أصبحت الموسوعة مصدرا عالميا من مصادر المعلومات المفتوحة غذت ساحة لتسوية الصراعات السياسية والمذهبية، وانقسم الناس حول دائرة المعارف فريقين اثنين،ففي الوقت الذي يجتهد فيه عدد من الكتاب لدعم المشروع، يسجل الباحثون عددا من المآخذ على أضخم موسوعة عالمية مما يعرضها للإقصاء من دائرة المراجع العلمية.
ومساهمة في تسليط الضوء على هذا المشروع الكبير والإنجاز الضخم، خصصنا هذا البحث لموضوع الموسوعة مقسما لأربع مباحث:
في المبحث الأول سنستكشف الأسس التي قامت عليها ويكيبيديا .
وفي المبحث الثاني سنقوم بالتطرق لأوجه الريادة في الموسوعة
أما في المبحث الثالث فسنتطرق لعيوب الموسوعة وجوانب قصورها.
وفي المبحث الرابع والأخير فسنخصصه للخطوات والإجراءات التي لجأت إليها الموسوعة لتجاوز جوانب نقصها.
ما هي موسوعة ويكيبيديا؟
ويكيبيديا موسوعة حرة، متعددة اللغات، يساهم فيها الآلاف من المتطوعين حول العالم. تكمن قوة موسوعة ويكيبيديا في نظام إدارة المحتوى المستعمل فيها. وهو نظام الويكي ، ويسمح هذا النظام لك بالقيام بتعديلات وإضافة الصفحات بحرية كاملة - أي أنك تستطيع الآن القيام بالتعديل على أي صفحة، باستثناء عدد قليل من الصفحات المحمية. غير أنه لابد من التمعن لمعرفة مدى حيادية وموضوعية مثل هذه الموسوعات.
وعن الهدف من المشروع يقول المؤسس ويلز: "إن ويكيبيديا هي بالأساس مجهود غايته إنتاج وتوزيع موسوعة حرة بأعلى درجة ممكنة من الجودة لكل فرد على سطح هذا الكوكب، وبلغته الأم"، حسبما ورد على موقع الموسوعة.[1]
بدأ مشروع ويكيبيديا في 15 يناير 2001، ويوجد اليوم أكثر من 4 مليون مقال في الموسوعة في كافة اللغات، منها أكثر من 000 380 1 مقالة في الموسوعة الانجليزية وحدها. و اليوم يقوم مئات الآلاف من المتطوعين و المهتمين حول العالم بإجراء التعديلات يوميا، إضافة إلى إنشاء الكثير من المقالات الجديدة.
بدأت النسخة العربية من الموسوعة الحرة في نهايات عام 2003 وفيها الآن أكثر من 17000 مقالة، و لا تزال الموسوعة العربية في مرحلة بناء المحتويات.
"ويكيبيديا" متوفرة الآن مجانا على الإنترنت، ويمكن لأي شخص الاستفادة منها أو حتى القيام بتسويقها وبيعها دون أي ملاحقة قانونية؛ فهي مشاع للجميع. ومن الناحية التقنية فالموسوعة يملكها "جيمي ويلز" المؤسس، والمدير التنفيذي لبوابة مؤسسة "بوميس" بـ "سان ديجو"، بعد أن صرف حوالي 150 ألف دولار من ماله الخاص لتطوير الموسوعة تقنيا.[2]
ويمكن أن تتابع تاريخ تنقيح أي مقال تقرأه في هذه الموسوعة، بالإضافة إلى تعليقات المساهمين الآخرين. ولا يسيطر أي شخص على هذه الموسوعة، لكن أحد المعايير الاجتماعية الهامة التي يفترضها المساهمون أن المقالات الموجودة لا يجب أن تكون جدالية أو متحيزة أو عنصرية. وإذا ما كتب أحدهم مقالة في هذا الإطار فسيجد من سيعيد كتابة مقاله أو الرد عليه.[3]
أسس سياسة ويكيبيديا
جمعت ويكيبيديا دون بقية الموسوعات عددا من المميزات جعلت الموقع يشق طريقه للشهرة بسرعة كبيرة، أولى هذه المميزات وأهمها هو مجانية الاستفادة من المعلومات، إذ أن أغلب الموسوعات القديمة كانت تشترط اشتراكا مدفوعا للإطلاع على كنوزها المعرفية، والثانية هي ميزة التفاعلية وهي الخاصية التي تتيح للمستخدم إمكانية المشاركة في تحرير مواد الموسوعة وتعديلها وهي خاصية ليست بالجديدة ولكن دائرة المعارف جعلت التفاعل مفتوحا ومباحا للجميع وحتى بدون اشتراك، وبذلك بلغت الموسوعة من الانفتاح درجة قلما تتحقق في غيرها من المواقع والمنتديات...
إن ويكيبيديا أراد لها مؤسسها أن تكون مجانية تفاعلية مفتوحة للمتطوعين الراغبين في المشاركة في صنع المعرفة.
فتفوقت بمجانيتها على الموسوعات المدفوعة الاشتراك.
و تقدمت بتفاعليتها على الموسوعات والمواقع الكلاسيكسة الجامدة.
واكتسبت شهرة سريعة بانفتاحها لجميع المستخدمين حتى العابرين والمجاهيل ممن لا يفتحون حسابا بالموقع.
واستعانت لتحقيق أهدافها المرحلية بعامل بشري هو التطوع وعامل تقني هو نظام الويكي.
1. المجانية
مجانية ويكيبيديا جعلتها الأكثر إقبالا من طرف مستعملي الانترنت، وهو أمر طبيعي إذ كل من خير بين أن يستفيد من شيء بقيمتين مختلفتين فإنه سيختار الأرخص فكيف لو كان مجانيا، فموسوعة ويكيبيديا تستمد قوتها من مجانيتها، فهي من الجمهور متصفح شبكة الإنترنت وإليه، والموسوعة بذلك تفوقت على غيرها من المشاريع المعلوماتية الضخمة على شبكة الإنترنت التي غالبا ما تعطي للأهداف الربحية ، بعكس ويكيبيديا المتاحة مجانا على الإنترنت،أما إذا أردت استخدام موسوعة "بريتانيكا" على شبكة الإنترنت مثلا فيمكنك قراءة بعض الأسطر فقط من المقالات مجانا ، أو يجب عليك الاشتراك فيها بمبلغ يزيد عن 50 دولارًا في السنة للاستفادة الكاملة. ورغم ذلك فالملايين يستعملون موقع الشركة لإنجاز أبحاثهم عبر الانترنت.
2. التفاعلية
التفاعلية أن يكون كل شخص قادرا على أن يكون مشاركا في الموسوعة.
إذ أن الإمكانات التقنية للمواقع التفاعلية تتيح لكل مستخدم أن يضيف ويقترح، بينما تتيح ويكيبيديا إمكانية التعديل والحذف أيضا، ولأن المستخدم يشعر بكونه فاعلا حقيقيا في الموسوعة فإنه يبادر إلى الانخراط في هذا المجهود الجماعي، وهكذا أصبحت ويكيبيديا موسوعة من الجمهور وإليه، وأصبح بإمكان الفرد العادي المشاركة في انتاج المعرفة وصناعة الإعلام، بعدما كان ذلك حكرا على المؤسسات الكبرى والشركات العملاقة.
3. الانفتاح
هيئة تحرير الموسوعة غير معينة، إذ يمكن لأي عابر قادر على الكتابة أن يساهم في تحرير مواد موسوعة ويكيبيديا، ويمكنه التوقيع باسمه الحقيقي أو اسم مستعار، وتتيح الموسوعة للراغبين في التسجيل إدخال بياناتهم ومراجعتها وتعديلها، وهي المرحلة الضرورية لمن يسعى للحصول على امتيازات في الإدارة العلمية لمحتوى الموسوعة ومنهجها بعد المساهمة بعدد مهم من المشاركات لمن حظي بالاحترام من مجتمع الويكيبيديا.
كان "جيمي ويلز" الممول الأول لموسوعة ويكيبيديا ومحررها الدائم "لاري سانجير"، يعملان في موسوعة مجانية أخرى على الإنترنت تسمى "نوبيديا"، كانت المقالات التي تنشر فيها يتم تحكيمها من قبل متخصصين،والتقدم كان بطيئًا للغاية، حتى لم ينشر بها سوى 25 مقالا فقط خلال عام كامل.
فاتجها للتفكير في هذا المشروع ، وبدأ العمل الجدي في الموسوعة الجديدة بعد نجاح "ريتشارد ستالمان" في حشد المتطوعين لبرمجة برنامج التشغيل المفتوح المصدر والمجاني "لينوكس"، الذي شكّل تهديدًا كبيرًا لبرامج التشغيل الشهيرة.[4]
وكما يؤكد ويلز فإن المقصود بكون ويكيبيديا "Free Encyclopedia" هو موسوعة حرة؛ أكثر مما يعني موسوعة مجانية. فالحرية في الاطلاع على مواد الموسوعة وتعديلها والإضافة عليها هي الفكرة المركزية. وذلك تأثر ظاهر بأفكار "ريتشارد ستولمان"؛ رائد اتجاه المصدر المفتوح الذي ذاع في أوساط المبرمجين، حيث تتاح شيفرة البرامج بحرية للجميع للاطلاع عليها ودراستها وتعديلها وتحسينها كل حسب هواه، طالما أنه سيحفظ نفس الحقوق للآخرين. الأكثر من ذلك، أن كل مواد الموسوعة متاحة مجانا وفقا لرخصة "الملكية العامة" (GPL) التي صممها ستولمان أساسا للتطبيق في مجال البرمجيات. وتسمح هذه الرخصة لأي فرد بحرية الاطلاع على مواد الموسوعة مجانا والتعديل والإضافة طالما أن ذلك لن يحول دون حق الآخرين في الاستفادة من هذه الإضافات، وأنه لن يدمجها في أي منتج تجاري.[5]
إلا أن التجربة لا تنجح دائما بسبب الطبيعة البشرية. فقد أوقفت كل من «لوس انجليس تايمز» و«وواشنطن بوست»، مثلاً، مقترحات دعت لإجراء دراسة نقدية مفتوحة لمحتوى مواضيعها، إثر تدفق سيل من التعليقات القاسية. وتشكل واشنطن مشكلة لموسوعة «ويكيبيديا» التي يتابعها عدد يتراوح بين 800 و1000 من المحررين المتطوعين، الذين يعملون بنشاط.
وقد أثبتت مواقع الانترنت الأخرى، المفتوحة للجميع، نجاحها. فقد نجح مطورو برامج الكومبيوتر في تصميم مئات من البرامج على الانترنت، مثل نظام تشغيل «لينوكس» المتوفر مجانا. كما تعتمد بعض برامج التسويق مثل «إي باي» الخاص بالمزادات، علي تقييم الزبائن لمساعدة المشترين على تنظيم تجمعاتهم.
لكن عنصر قوة هذه الموسوعة هو نفسه قوة ضعفها. فالحرية الكبيرة التي توفرها الموسوعة في المشاركة بصنعها قد تنقلب على رأسها.[6]
فسماح الموسوعة للجميع بالمشاركة في إضافة المعلومات والتعديل فيها دون ضوابط قد يؤدي إلى الفوضى أو العشوائية أو سوء الاستخدام أو غير ذلك.[7]
4. التطوع
للوهلة الأولى يمكن أن نرد نجاح الموسوعة الباهر على مستوى الشهرة والانتشار إلى عامل أساسي وهو التطوع، وقد أبدعت ويكيبيديا في تعبئة الطاقات البشرية للمشاركة في تحرير الموسوعة والترويج لها، كما حرصت على تيسير الطريق أمام الراغبين في التطوع فلم تشترط التسجيل وجعلته متاحا للراغبين في الانضمام فقط، كما جعلت الموسوعة أقساما حسب اللغات كل قسم يكاد يكون مستقلا إداريا عن غيره، وهو ما يغري أهل كل لغة لمحاولة صياغة المعرفة انطلاقا من انتماءاتهم الذاتية، كما تشكل إمكانية الانضمام للهيئة الإدارية حافزا معنويا للاشتراك والعطاء من غير ملل وذلك لما يتمتع به الإداريون من سلطة معنوية وإدارية وتحكيمية في ترجيح الآراء والأفكار وفي توجيه المسار العام لأقسام الموسوعة، وهو ما جعل عدد المتطوعين المساهمين يتجاوز عشرات الآلاف، فالتطوع إذن هو السر الأكبر في شهرة الموسوعة وضخامتها.
وثمة مشروعات مستحدثة إلى جانب الموسوعة، كلها تعتمد على المشاركة التطوعية من عدد كبير من المستخدمين. من أمثلة ذلك "ويكشناري" (قاموس)، "ويكينيوز" (مواد إخبارية) و"ويكيبوكس" (كتب). وقد بدأ مشروع كتب "ويكي" في يوليو 2003 لإنتاج كتب مجانية يقوم على تأليفها عدد كبير من الأشخاص المهتمين بمجال معين.[8]
5. التقويم الذاتي
مواقع ويكي صممت بحيث يستطيع أي شخص أن يصحح الأخطاء بسهولة، بدلاً من التركيز على تجنب الأخطاء، لذلك مواقع ويكي تعتبر حرة تماماً ويمكن لأي شخص أن يرتكب الأخطاء، لأن هذه الأخطاء ستصحح من قبل الشخص نفسه أو من قبل أناس آخرين، وهناك خاصية متوفرة في أغلب مواقع ويكي وهي صفحة أحدث التغييرات والتي تعرض قائمة بآخر التعديلات التي أجريت على صفحات موقع ويكي، هذه القائمة توفر وظيفتين، الأولى هي عرض الصفحة قبل آخر تعديل، والثانية هي عرض الاختلاف بين الصفحة الحالية وآخر تعديل أجري عليها، بهذا الأسلوب يستطيع أي كاتب أن يعرف ماذا أضيف للموضوع في كل تعديل، ويمكن إرجاع الصفحة إلى تعديل سابق في حال أن التعديلات الأخيرة لم تكن صالحة.
بشكل عام يمكن تعديل أي تخريب وإعادة الصفحات إلى ما كانت عليه قبل التخريب، لذلك من الأفضل ترك المخرب يعبث كما يشاء لأنه سيتوقف لاحقاً، بعد ذلك يمكن لأي شخص إصلاح ما عبث به المخرب، ويمكن في بعض المواقع وقف المخرب عن طريق رقم IP فلا يستطيع تخريب المقالات أو في بعض الحالات منعه تماماً من تصفح الموقع وقراءة محتوياته.
والناتج النهائي ليس عملا محددا وإنما موسوعة ديناميكية تتجدد فيها الموضوعات وتتطور دقيقة بعد دقيقة وحصيلة الموجود في أي لحظة، هي إما انتصار لقوى "الخير" التي تعمل على انتشار المعرفة البشرية، أو "قوى الشر" التي تتدخل من أجل العبث أو التشويه أو التحريف، أو حتى "قوى الجهل" التي قد تتدخل للتعديل عن غير معرفة ودراية فتمحو من الموسوعة ما هو قيم أو ثمين.[9]
وتقدم بعض برامج ويكي خاصية مفيدة، حيث يمكن لشخص ما أن يراقب المواضيع التي تهمه، ويمكنه رؤية التعديلات التي جرت لهذه المواضيع من خلال قائمة خاصة تسمى "قائمة مراقبتي"، فقد لا ينتبه المرء إلى أن صفحة ما عدلت لأنه لم يرى التعديل في صفحة أحدث التغييرات، لكن قائمة مراقبتي تضمن أنه سيرى كل تعديل على الصفحات التي يراقبها، هذه الخاصية متوفرة في برنامج ميدياويكي الذي يستخدم لإدارة موقع ويكيبيديا، وأهمية هذه الخاصية أنها تمكن المشاركين من الحفاظ على جودة وحيادية مواد الموسوعة، خاصة المواد المتعلقة بالأديان، ورغم الأخطاء في المقالات والمواد المنشورة على ويكيبيديا، فقد أثبتت السنون أن "ويكيبيديا" كنظام لإنتاج المعرفة قادر على الإصلاح الذاتي وإعادة التوجيه إلى المسار الصحيح.[10]
6. نظام الويكي
لجأت الموسوعة لنظام الويكي(wiki) لأنه يحقق يساير طبيعتها ويستجيب لأهدافها، والويكي برنامج يسمح للزوار بإضافة المحتويات وتعديلها بدون أي قيود في الغالب، وقد تشير كلمة ويكي إلى برامج ويكي المستخدمة في إدارة هذا النوع من المواقع، وتعني هذه الكلمة بلغة شعب جزر هاواي الأصليين: بسرعة أو أسرع، واستخدمت هذه الكلمة لهذا النوع من أنظمة إدارة المحتوى للدلالة على السرعة والسهولة في تعديل محتويات المواقع. وقد ظهر أول موقع ويكي في 25 مارس 1995، وهو موقع Portland Pattern Repository وقد أنشأه Ward Cunningham وهو الذي اختار لفظ "ويكي" لهذا النوع من المواقع، وفي أواخر التسعينيات من القرن الماضي ازداد استخدام برامج ويكي لإنشاء قواعد معلومات خاصة أو عامة، واليوم يعتبر القسم الإنجليزي من موسوعة ويكيبيديا هو أكبر موقع ويكي يليه القسم الألماني من الموسوعة.
الموسوعة في نظر النقاد
اختلف النقاد والإعلاميون والباحثون في الحكم على الموسوعة، فبعد أن كان ينظر إلى إليها على أنها مشروع رائد مثالي تتجمع فيه الطاقات لإنتاج معرفة سليمة وبجودة عالية وقعت بعض الأحداث والأخطاء المتعمدة في مواد الموسوعة كاتهام أحد المواطنين الأمريكيين بالضلوع في قتل كينيدي وضعت جميع من يتعامل مع دائرة المعارف هذه في دائرة الشكوك مفجرة في الوقت ذاته جدلا حاميا حول مدى دقة الذين يديرون «ويكيبيديا»، ومدى درجة إنصافهم في تعاملهم مع الآخرين.[11]
ورغم أن كثيرا من النقاد يحذرون من الأسلوب الذي يعمل بموجبه «ويكيبيديا» إلا أن عمليات المقارنة الأخيرة للموقع مع مصادر المعلومات الأخرى تبين أنه غير زاخر بالأخطاء كما يدعي النقاد. [12]
وبينما نشرت مجلة «نيتشر» نتائج دراسة قارنت فيها «ويكيبيديا» مع دائرة المعارف «بريتانيكا» التي تسمى بالعربية «الموسوعة البريطانية»، فوجدت أن هناك اختلافات قليلة بين الاثنين. وبينت دراسة أخرى قام بها الباحثون في مختبر الإعلام (ميديا لاب) في معهد ماساشوسيتس للتقنية (ام آي تي) وشركة «آي بي ام» أن الأخطاء التي وضعت في الموقع عن عمد جرى تصليحها بسرعة لم تتطرق لذكر سيرة سياجينثيلر التي ظلت على الموقع من دون تغيير لمدة أربعة شهور. [13]
وقد ذكرت مجلة "وايرد" أن مواد ويكيبيديا "إن لم تكن متقنة وتامة، فإنها ليست سيئة. وثمة عشرات الآلاف من مواد الموسوعة تفوق نظيراتها في كل من دائرة المعارف البريطانية ودائرة معارف "إنكارتا".[14]
وكتب القائمون على دراسة «آي بي ام/ام آي تي» «إن استنتاجاتنا تظهر أن الموقع هذا، والذين يزورونه، هو عبارة عن نظام، يشكل التغيير المستمر فيه هو مصدر قوة وضعف في الوقت ذاته».[15]
ويكيبيديا العربية
بدأت النسخة العربية في يوليو/تموز 2003 ويوجد الآن أكثر من 16000 مقالة فيها.
وأول من اقترح على القائمين على الموسوعة تدشين نطاق للنسخة العربية هو الأكاديمي المصري الدكتور طارق قابيل، وكانس ذلك عام 2001 حين كان يدرس لنيل درجة الدكتوراه في الوراثة الجزيئية بإحدى الجامعات الأمريكية. وقد رصد حينها في مقال لصفحة العلوم والتكنولوجيا بشبكة "إسلام أون لاين.نت" بدايات الموسوعة.[16]
وتعاني ويكيبيديا العربية من نقص شديد في المحتوى مقارنة بلغات أقل شهرة منها ويتحدّث بها عدد محدود من الناس. كما أن نسبة كبيرة من مقالات ويكيبيديا العربية ناقصة وغير مكتملة بل وربما لا تحتوى على أكثر من بضع كلمات.
مزايا الموسوعة
استطاعت ويكيبديا أن تنفرد بمميزات تنفرد بها عن غيرها، وهي نقاط التفوق ونتائج النجاح الذي تحصده الموسوعة، ومن المزايا التي حققتها الموسوعة وأضافتها لرصيدها، شهرتها وكثرة محرريها وسرعة تطويرها وانتشارها، مما جعلها تحتل المرتبة الأول بغنى محتواها وتنوعه، كما أنها تخضع لتحديث مستمر لمعطياتها الشاملة لجميع المجالات والمواكبة لأحدث التطورات، كما أنها تتحبب إلى مستعمليها بالبساطة والإيجاز مخاطبة كل مستخدم بلغته المفضلة.
ü الشهرة ...
أصبحت الموسوعة غنية عن التعريف حيث طبقت شهرتها الدنيا.
وتدعي مؤسسة ويكيميديا أن عدد زوار الموسوعة يتجاوز مليون زيارة يوميا، وهو أمر غير مستبعد، خصوصا وأنها صنفت في ترتيب متقدم كثالث أهم مرجع للمعلومات على الإنترنت بعد مواقع سي إن إن، وياهو طبقا لقياسات نيلسن.[17]
ü سرعة النمو والانتشار
يقوم المئات من المتطوعين والمهتمين حول العالم بإجراء آلاف التعديلات يوميا، وكتابة العديد من المقالات الجديدة،وهو ما يجعل الموسوعة تنمو وتنتشر بوتيرة متسارعة جدا،فقد بدأ المشروع في 15 يناير كانون الثاني من عام 2001، وفيه اليوم أكثر من أربعة ملايين مقالة في الموسوعة بكافة اللغات ، منها أكثر من مليون مقال باللغة الإنجليزية.
ولأن الموسوعة لا تهدف إلى الأرباح وتنشر باثنين وثمانين لغة إحداهم اللغة العربية,وتعمل بتقنية الويكي وهي أشبه بصفحات مفتوحة للتعديل والتحرير من أي محرر كان... مما اعطاها سمة التوسع الكبير ...
كما تم استحداث مشروعات موازية للموسوعة الأم بلغت الثمانية كلها تعتمد على المشاركة التطوعية للمستخدمين، منها ويكي مصدر وويكي الكتب وويكي الأخبار...
ü ضخامة المادة
تعتبر موسوعة ويكيبيديا أكبر مخزون وأضخم مصدر معرفي مترابط، وتحظى النسخة الإنجليزية من الموسوعة بنصيب كبير (أكثر من مليون مقال)، وهو محتوى يفوق كثيرا النسخة الإنجليزية لدائرة المعارف البريطانية بأكثر من عشر مرات وموسوعة "إنكارتا" الإلكترونية التي طورتها مايكروسوفت والتي لا يبلغ مجموع مقالاتها العشرة آلاف. وأكثر من عشر لغات يتجاوز عدد المقالات بكل منها 100 ألف مقال. أما النسخة العربية والتي دُشنت في نهايات 2003 فلا تزال في بداياتها، وبها ما يزيد قليلا على 17000 مقال.
ü التحديث المستمر
يتم تحديث موسوعة ويكيبيديا كل لحظة تقريبا في مواكبة لأحدث التطورات ومسايرة كبيرة للنمو المعرفي وتدفق المعلومات ، وهي الميزة التي تكاد تنفرد بها موسوعة الويكي رغم أن تلك التعديلات لا تشمل كل جديد ... ولكن على كل حال أفضل من انتظار الشهور والسنوات للحصول على معلومات تستحضر الواقع وتواكب الأحداث، كما يحدث في الموسوعات التقليدية.
ü تعدد اللغات
تخاطب ويكيبيديا كل قوم بلغتهم، فحيثما وجد متطوعون وجدت لغتهم، ولذلك نجد في ويكيبيديا حتى بعض اللغات القليلة الانتشار والتي لم تعطها أي من الموسوعات حقها، وبقي الناطقون بها يعانون الحيف والحرمان من إحدى أمانيهم،حتى حققت لهم الويكي هذه الأمنية وهي موسوعة بلغتهم، حتى تجاوز عدد اللغات التي تنشر بها الموسوعة الثمانين لغة... وذلك ببساطة لأن الموسوعة من المتطوعين وإليهم وأقوامهم.
ü البساطة
ما يميز مواقع ويكي بشكل عام هو سهولة إنشاء مواضيع جديدة أو تحديث مواضيع قديمة وتعديلها دون الحاجة إلى وجود رقابة توافق على إنشاء الصفحات أو تعديلها، إذ تتيح الموسوعة للزوار أن يكتبوا المواضيع بشكل جماعي وبلغة ترميز بسيطة وباستخدام المتصفح ولا يلزم أي شخص بالتسجيل في الموقع ليتمكن من إنشاء وتعديل المواضيع بل يستطيع مباشرة المساهمة في الموقع دون أي قيود.
ويقابل البساطة والسلاسة على المستوى التقني بساطة وسلاسة على المستوى التركيبي والفني واللغوي، وذلك راجع لمنهجية الموسوعة ولإعادة وتكرار كتابة المواضيع وكذا للمستوى المتوسط لكتاب المواضيع ومحرري التقسيمات والتصنيفات...
ومادام لكل فعل نتائج مقصودة ونتائج عرضية غير مرغوبة، وقد رأينا النتائج المقصودة لمنهج ويكيبيديا وآن لنا أن نلقي نظرة على النتائج السيئة للأسس التي قامت عليها الموسوعة، سواء على سمعتها أو على قيمتها العلمية وعلى مستقبلها الإعلامي والمعرفي.
العيوب أو جوانب النقص والقصور
تتنوع عيوب الموسوعة بين عيوب في منهجها العلمي والإعلامي وعيوب في سير العمل وعيوب ناشئة بسبب المستخدمين المتطوعين لتحرير مواد الموسوعة.
ونستطيع أن نقول إن أهم خطأ ارتكبته الموسوعة هو عدم انضباطها لمبادئ البحث العلمي بل وغياب أي منهج علمي تسير عليه.
v انعدام قواعد البحث العلمي.
يشترط الأكاديميون عددا من الأركان في أي نص علمي أو مادة معرفية من أجل اعتمادها كمصدر... هذه الشروط تكاد ويكيبيديا تعدمها كليا، ومن هذه الخصائص الدقة والموضوعية والانضباط لنتائج البحث العلمي،كما يشترطون أن يكون الباحث الكاتب ملما بأساسيات الموضوع متخصصا فيه، وزيادة على ذلك لابد أن يكون الموضوع سليما لغويا وعلميا و خاضعا لترتيب منطقي ومنهجي، وأن يكون كاتبه ملما بما يحرر متخصصا في ميدانه ثم يحيل إلى مراجعه ويوثق مصادره، وبعد ذلك كله يجب أن يكون الموضوع بعيدا عن العبث والتحريف محفوظا يشكل سليم...
وقد دفع غياب هذه المسلمات في البحث العلمي الباحثين والمدرسين إلى العزوف عن ويكيبيديا كمصدر علمي موثوق رغم استعانة الكثيرين بها في تحضير معلوماتهم الأولية، وذلك في تنقيص واضح من قيمة الموسوعة العلمية وعدم اعتراف بمرجعيتها، وقد ساهم في تكريس العزوف العربي عن الاعتماد على الموسوعة والتطوع لتحرير موادها على السواء منبعها الغربي وضبابية توجهها وجهالة قصدها وأهدافها .
o عدم الدقة
حول دقة معلومات الموسوعة يقول بيل درو محرر «ويكيبيديا» والعامل المساعد في مكتبة «موريسفيل ستايت كولدج» في نيويورك «ويكيبيديا جيدة جدا في المواضيع الفنية والعلمية على عكس المواضيع العلمية الاجتماعية، حيث أن التأكد من الحقائق هو أمر صعب». [18]
والدقة ليست في تطابق المعطيات التاريخية والجغرافية مع الواقع ولكنها أيضا الوصف السليم والتحليل الرصين للأحداث والوقائع والأشياء، بحيث تكون الحقيقة العلمية هي الهدف، وهو الأمر الذي يغيب في كثير من مواد الموسوعة، حيث إن الانطلاق من أفكار مسبقة يعطي للأشياء بعدا غير صحيح ومخالف للواقع أو نظرة تأويلية للأحداث.
وقد أجرت مجلة نيتشر العلمية المعروفة دراسة قارنت بين المحتوى الموجود على موسوعة ويكيبيديا التطوعية المجانية وبين ما تقدمه الموسوعة البريطانية ذائعة الصيت "إنسيكلوبيديا بريتانيكا" توصلت إلى أن الموسوعتين تتمتعان بدرجات متقاربة في الدقة.
نتائج هذه الدراسة أثارت احتجاج المسؤولين عن الموسوعة الشهيرة ودفعهم لإصدار بيان اتهم مجلة نيتشر بالارتجال وعدم الدقة.[19]
والواضح أن السبب الأساس في تراجع دقة الموسوعة هو عدم التخصص من المحررين في المواضيع التي يحررونها.
o عدم التخصص
بينما يفترض في محرري المواد الموسوعية التخصص الدقيق في ميادينهم يعتقد المراقبون أن موسوعة "ويكيبيديا" تعتبر "فوضوية ثقافية" قامت بتجميع الآراء والأفكار من غرف الدردشة "الشات"، وحولتها إلي موسوعة ثقافية على الإنترنت. وأنها لا ترقى بأي حال من الأحوال للموسوعة البريطانية "بريتانيكا" التي تخطت عامها الـ 232، وتعتمد على استئجار الخبراء ومشاهير العلماء من جميع أرجاء العالم لمراجعة مقالاتها بشكل كامل، ويعمل بها أكثر من مائة محرر متفرغ.[20]
ويقول "توم بانيلاس" مدير الاتصالات في "بريتانيكا":" الناس باتوا يدركون أن هناك الكثير من المعلومات على الإنترنت، ولكن الكثير منها هراء، ومعظمها تنبع من مصادر مشكوك في مصداقيتها.[21]
ورغم الأخطاء الناتجة عن عدم الدقة أو عدم التخصص في المقالات والمواد المنشورة على ويكيبيديا، فقد أثبتت السنون أن "ويكيبيديا" كنظام لإنتاج المعرفة قادر على الإصلاح الذاتي وإعادة التوجيه إلى المسار الصحيح.[22]
ففي دراسة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وشركة (IBM) أوردتها دورية ذي نيو أتلانتس، قال باحثون إنه في المتوسط يتم تصحيح الأخطاء في اللغة أو المعلومات الواردة بالمواد خلال 5 دقائق من ظهورها. أما حالات محو أو تشويه المواد فتتم معالجتها خلال 1.7 – 2.8 دقائق، كما ذكرت مجلة "وايرد".[23]
o التحيز وعدم الموضوعية
لا تزال موضوعية ويكيبيديا محل نقاش مستعر بين مؤيديها والمعترضين على أسلوبها وطريقتها في العمل، وتنص مبادئ الموسوعة على الموضوعية كهدف أساسي لكنه يبقى بعيد المنال حسب رأي أغلب المراقبين والمهتمين، وحسب شهادة المحررين والإداريين بالموسوعة نفسها،وذلك لان إتاحة التعديل والإضافة للجميع دون تمييز أدت أحيانا إلى ظهور ممارسات غير مسئولة من بعض الأفراد الذين شوهوا بعض المواد على الموسوعة، أو أفقدوها حياديتها لصالح مذهبهم أو اعتقادهم الخاص.[24]
ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك ما حدث للمواد والمقالات المتعلقة بكل من المرشحين الديمقراطي والجمهوري خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالولايات المتحدة. فقد تعرضت المقالات عن كلا المرشحين لتعديل وتغيير -وأحيانا تشويه أو حذف– بصورة متكررة؛ ما اضطر القائمين على الموقع إلى "تجميد" كل المقالات المتعلقة بشخصي المرشحين إلى انتهاء الانتخابات.[25]
ولا يتعلق ذلك فقط بمضمون الملفات، لا سيما تلك المتعلقة بالأشخاص، ولكن أيضا بالطبيعة غير الموضوعية للحقيقة السياسية ذاتها.
o النقل من غير إحالة و انعدام التوثيق
من تجليات انتفاء الطابع العلمي عن الموسوعة خلو أغلب مواضيعها من الإحالة على المراجع وتوثيق المعلومات المنقولة والمكتشفة بينما المفروض في الموسوعات أن توثق معلوماتها وتشير على مراجعها لتجعل الناس يعرفون جيدا أنها مصدر يمكن أن يأتمنوه على المعلومات الموثقة المكتوبة بشكل جيد.
o الانغلاق على الشائع
تشترط ويكيبيديا في المقالات المنشورة أن تكون شائعة و تكون نتائجها مسلمة عند الرأي العام وهي بذلك لا تقبل البحوث التي تحمل نتائج علمية جديدة، ولا تنشر غير الآراء المشهورة والمعترف بها من طرف أغلبية الهيئات العلمية أو الرسمية، وبذلك تكون ويكيبيديا انعكاسا وصورة للمعرفة الشائعة بصحيحها وسقيمها، ويعلم الجميع أن كثيرا من المعلومات الرائجة والمشاعة لا تعكس الحقيقة العلمية، والمؤسسة بذلك تلجأ إلى مفهوم الديمقراطية العددية التي تعطي الأحقية للأغلبية مقابل الأقلية في مجال يعتبر الدليل العلمي والحقيقة المعرفية أسمى شيء، وهنا تساءل أحد المدونين ماذا لو كانت ويكيبيديا في عهد العالم جاليليو وأراد نشر بحثه عن كروية الأرض والجواب واضح، كان موضوعه سيتعرض للحذف كما تحذف يوميا مئات المقالات والبحوث العلمية التي تكلف كتابها الأشهر والسنين...
o الأخطاء اللغوية
علاوة على انعدام الدقة وعدم المتخصصين والتحيز البعيد عن الموضوعية خصوصا في المواضيع الاجتماعية والسياسية، وزيادة على انحباس وانغلاق الموسوعة على الشائع من المعرفة تطفو على السطح مشكلة ضعف اللغة ورداءة الأسلوب، فعمليات الإضافة أو التعديل المفتوحة تشكل خطرا على سلامة اللغة فالموسوعة تفتح الباب لتفاعل الزائر مع الموقع دون التأكد من أن لغته معافاة من الزلل النحوي آو الصرفي أو التركيبي .
أضف إلى ذلك أن مشكلتنا في العربية التشكيل وهذا لا يشكل عبئا في اللغات الأخرى مثال : لو أراد الزائر إدخال عبارة ( نشر ) فقد تأخذ معان عديدة منها نشر الخشب أو نشر مقالة أو نشر الغسيل أو نشر البذار .. الخ ولكل لفظة معناها وفحواها ،مضافا موضوع صحة الإملاء وجودة الصياغة وتلافي الركاكة ومن هنا في أقلّ ما يقال ويخالف هذه التفاعليات يجب أن ينحصر العمل التحريري الشبكي بهيئة محددة حصريا وتكون هي المسؤولة حصرا عن أي معلومة خطأ في المبنى وفي المعنى وفي النتيجة بينما في العمل التفاعلي لا تجد الفاعل ولا تعرف من أين ومن هو وكيف وماذا ... ؟؟[26]
o التهجين في المحتوى
التهجين في المحتوى أمر لا ينتبه له الكثيرون من البسطاء ممن ينظرون إلى المعلومة باعتبارها مادة منعزلة ومنفصلة، ولكن كبار النقاد والباحثين الذين يحللون المعلومات والمعطيات في سياقها العام، هؤلاء فقط هم من سيعلم قيمة الضرر المترتب على اشتراك عدد كبير من المحررين في كت